ابن العربي

639

أحكام القرآن

المسألة الثالثة - قال علماؤنا : هذا إذا كان الدّين قواما ، ولم يكن المال حراما ؛ فأما إذا فسد الدين عند الناس ، وعمّ الحرام فالتبتّل وترك اللذات أولى ، وإذا وجد الحلال فحال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أفضل ، وكان ذاتشمند « 1 » رحمه اللّه يقول : إذا عمّ الحرام ، وطبّق « 2 » البلاد ، ولم يوجد حلال استؤنف الحكم ، وصار الكلّ معفوّا عنه ، وكان كل واحد أحقّ بما في يده ما لم يعلم صاحبه . وأنا أقول : إن هذا الكلام منقاس إذا انقطع الحرام ، فأما والغصب متماد ، والمعاملات الفاسدة مستمرة ، ولا يخرج المرء من حرام إلا إلى حرام فأشبه المعاش من كان له عقار قديم الميراث يأكل من غلّته ، وما رأيت في رحلتي أحدا يأكل مالا حلالا محضا إلا سعيدا المغربي ، كان يخرج في صائفة الخطمي ، فيجمع من زريعته « 3 » قوته ويطحنها ويأكلها بزيت يجلبه الروم من بلادهم . المسألة الرابعة - إذا قال : هذا علىّ حرام لشيء من الحلال - عدا الزوجة فإنه كذبة لا شيء عليه فيها ، ويستغفر اللّه ، ولا يحرم عليه شيء مما حرمه . هذا مذهب مالك والشافعي ، وأكثر الصحابة ؛ وروى أنه قول يوجب الكفارة ، وبه قال أبو حنيفة . ويدلّ عليه حديث عبد اللّه بن رواحة المتقدم . وفي حديث الجماعة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مثله . وروى أيضا عنهم أنهم حلفوا باللّه فأذن لهم في الكفّارة ، فتعلّق أصحاب أبي حنيفة بمسألة اليمين ، وتأتى إن شاء اللّه . وأما إذا قال لزوجته : أنت علىّ حرام فموضعها سورة التحريم ، واللّه يسهل في البلوغ إليها بعونه .

--> ( 1 ) هكذا بالأصل ، وفي هامشه : هو الإمام أبو حامد الغزالي ، وهو لقب أعجمي يفسر بعالم العلماء ( هامش 1 ) . ( 2 ) طبق البلاد : عمها . ( 3 ) الزريعة كسفينة : الشيء المزروع ( القاموس ) .